محمد بن جعفر الكتاني
202
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وخطيبا بجامع القرويين من فاس - ما نصه : « فخطب بعده : الفقيه الصالح الورع أبو محمد يسكر ابن موسى الجورائي - وهو : أحد أشياخ المغرب في الدين والفضل ، والزهد والورع ، والمجاهدة والتقشف ، والإيثار والصدقات ، كثير قيام الليل - لا سيما في رمضان - قيل له ذات ليلة : لو روحت نفسك قليلا ، وأعطيتها حظها من النوم ؛ لكان أوفق لك . فقال : إنما أطلب راحتها . ثم أنشد - رحمه اللّه ورضي عنه : لا تجعلن رمضان شهر فكاهة * تلهيك فيه من الحديث فنونه واعلم بأنك لا تنال ثوابه * حتى تكون تصومه وتقومه [ 165 ] » . « يحكى عنه أن بعض عمال الموحدين بفاس : كتب لمراكش أن أبا محمد يسكر لا يدعو للخليفة ، فوصله الخبر بذلك في حال حرج ، فبعث من حينه بأن يشخص إليه ، وكان من الواقفين بين يديه أحد الصقالبة وبيده أطربيزن من حديد ، فأخذه منه وأمسكه بيده ، وقال لمن حضره : « بهذا أقتله ! » . فقدر أن ضرب جبهة نفسه بطرف الأطربيز ، وانبعث من الضربة دم كثير ، فبادر الأطباء لقطع دمه بجملة من الأدوية وأنواعها ، فلم ينقطع . وكان ممن حضر عند الخليفة أحد الصلحاء ، فتفرس في ذلك ، وقال للخليفة : « إن كنت هممت بسوء ؛ فتب منه » . فتذكر إشخاص أبي محمد يسكر ؛ فتاب من ذلك ، وبودر برد الذي بعث لإشخاصه ؛ فانقطع الدم من حينه » . « وكان له - نفع اللّه به - غنم وماشية كثيرة ببلاده التي نشأ بها ، ورثها عن أبيه ، فكان يتصدق بكثير منها . وكان يوم خطب له يسير عجمة في لسانه ، فرأى بعد ذلك أن قدم خطيبا : الفقيه الزاهد أبا عبد اللّه محمد بن حسن ابن زيادة اللّه المزني ، وانفرد هو بالإمامة » . . . ثم قال : « وتوفي أبو محمد يسكر في الحادي والعشرين لذي قعدة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، وأقام إماما بجامع القرويين أربعين سنة لم يسه فيها بوجه ؛ لشدة حضوره في صلاته . ولم يترك عقبا . وبنو يسكر الذين بفاس الآن ليسوا من عقبه ، وإنما اشتركوا في الاسم » . ه . وقال غيره : « توفي بفاس ضحى يوم السبت الحادي والعشرين لذي القعدة عام ثمانية وتسعين وخمسمائة ، ودفن بالقلة ؛ خارج باب الجيسة » . ه . وقال في المعزى : « دفن بالقلة من باب المحروق ؛ أحد أبواب مدينة فاس » . ه . ولا منافاة بينه وبين ما قبله ؛ لأن القلة المذكورة بين البابين ؛ يصح أن تنسب إلى خارج كل منهما ، لكنها إلى باب الجيسة أقرب ، ونسبتها إليها أبين وأنسب . ذكره في " الأنيس " . وترجمه التادلي في " التشوف " ، وصاحب " المعزى " ، و " الكفاية " ، و " النيل " ، و " الجذوة " ، و " الروض " . . . وغير واحد .